تصميم الموقع الخارجي لمديرية المياه في بابلسر
في إطار خلق فضاء فعّال ومتناسق مع السياق الحضري ومُجيب لاحتياجات الاستخدام اليومي، تم اقتراح مشروع تصميم محيط مديرية المياه في بابلسر استنادًا إلى متطلبات العمل الخاصة بالموظفين والمراجعين في مكتبنا. يهدف هذا المشروع إلى رفع جودة الفضاء، وتحسين وضوح قراءة الموقع، وتلبية متطلبات التشغيل الوظيفي. وبناءً على ذلك، وبعد تحليل الوضع القائم، وإمكانات الموقع، ومتطلبات التشغيل، تم تقديم مجموعة من المقترحات التصميمية المتوافقة مع احتياجات المستخدمين وخصائص البيئة المحيطة.
في هذا القسم، يمكنكم مشاهدة المخطط الجوي للموقع الذي يوضح بوضوح نطاق الدراسة والتصميم. ويُعد موقع المشروع ضمن النسيج الحضري لمدينة بابلسر، مع ارتباط مباشر بالشوارع الرئيسية والمجاورات المحيطة، فرصة مميزة لخلق محيط ذو هوية واضحة.
إن تصميم الموقع لا يقتصر على تشكيل سطح الأرض فحسب، بل يمثل تفاعلاً بين الإنسان والطبيعة والمبنى؛ فضاءً يربط بين الاحتياجات الوظيفية للموظفين والمراجعين وبين تجربة بصرية هادئة ومريحة. ويسعى هذا التصميم إلى خلق علاقة ذات معنى بين العناصر الطبيعية والعناصر الصلبة (مثل الممرات، الأثاث الحضري، والغطاء النباتي)، بحيث يساهم كل عنصر بلغته المعمارية في تشكيل الكل المتكامل للمشروع.








البديل الأول – نهج قائم على الاستدامة وتكريم المياه
في البديل الأول، استندت مقاربة التصميم إلى مفهوم الاستدامة وفكرة تكريم المياه والطبيعة، وهو مفهوم يتماشى مع الطبيعة الوظيفية لمديرية المياه. وبناءً على ذلك، تم إعطاء أولوية قصوى للحفاظ على المساحات الخضراء القائمة وتعزيزها باعتبارها رصيدًا بيئيًا مهمًا للموقع، كما تم تنظيم الهيكل العام للتصميم على أساس احترام البيئة الطبيعية وتقليل التدخلات فيها إلى الحد الأدنى.


تم تصميم شبكة من المسارات للمشاة والمركبات بوضوح عالٍ من حيث القراءة البصرية، بحيث تضمن، إلى جانب الفصل بين الحركتين، توفير وصول سلس وآمن للموظفين والمراجعين. ولا تُعد هذه المسارات مجرد عناصر ربط وتنقل، بل تم تعريفها كجزء من التجربة المكانية للمشروع.
وعلى امتداد هذه الشبكة، تم تصميم «واحات» تعمل كفراغات للوقوف والاستراحة؛ وهي نقاط مظللة وهادئة تتيح فرصًا للتفاعل، والتوقف المؤقت، وأخذ قسط من الراحة والتنفس داخل المحيط العام للموقع.



استجابةً للاحتياجات الوظيفية للمجموعة، تم توفير مواقف سيارات منفصلة للموظفين والمراجعين. وقد صُمم موقف الموظفين كموقف مغطّى، حيث استُلهم شكل السقف من العمارة القابلة للطي (Folding Architecture)، ليعكس هيئة ديناميكية بإيقاع منتظم يتجنب الرتابة البصرية، ويحوّل هذا العنصر إلى علامة مميزة داخل الموقع.
كما تم تصميم ميول السقف بطريقة تتيح توجيه وتجميع المياه الرمادية وإعادة إدخالها ضمن دورة الاستخدام اليومي، وهو حل وظيفي يعزز النهج المستدام المعتمد في المشروع.



البديل الثاني – إعادة قراءة مفهوم الماء في التعبير المعماري
في هذا البديل، لم يُنظر إلى «الماء» بوصفه عنصرًا وظيفيًا فحسب، بل كونه مفهومًا تأسيسيًا ومكوّنًا لهوية المشروع. وبما أن المشروع يقع ضمن سياق مؤسسة معنية بإدارة موارد المياه، فإن التصميم لم يكن من الممكن أن يتجاهل هذا العنصر الحيوي.
في العمارة الإيرانية التقليدية، لطالما تجاوز الماء كونه عنصرًا مناخيًا، ليصبح محورًا لتنظيم الأفنية، وأداة لضبط التسلسل الهرمي الفراغي، وعنصرًا يربط بين الإنسان والطبيعة والسماء. إلا أنه في السياق المعاصر، وبالأخص في منشأة إدارية ذات متطلبات تشغيلية واضحة وفي مناخ رطب شمال البلاد، لم يكن من الممكن إعادة إنتاج النماذج التقليدية بشكل مباشر مثل البرك أو القنوات المائية، لا من حيث الجدوى التنفيذية ولا من حيث المنطق الوظيفي.
بناءً على ذلك، اتجه النهج التصميمي نحو «الاستعارة المعمارية»، أي نقل جوهر الماء دون الحاجة إلى حضوره المادي المباشر. ضمن هذا الإطار، تم اختيار الطلاء الزجاجي باللون الفيروزي كدالّ تاريخي–ثقافي؛ مادة تحمل في الذاكرة الجمعية للعمارة الإيرانية معاني الماء والسماء والنقاء والقداسة.
لا يُستخدم اللون الفيروزي في هذا المشروع كعنصر لوني فقط، بل كإشارة (Signifier) تتكرر بإيقاع مدروس في الجدران والعناصر البارزة، لتشكّل استمرارية معنوية على مستوى الموقع ككل.
وعند وضعه إلى جانب الطوب، بوصفه مادة أرضية دافئة ومحلية، يتشكل حوار جدلي بين السيولة والصلابة. فبينما يرمز الطوب إلى الثبات والاستمرارية التاريخية، يعكس اللون الفيروزي مفاهيم التدفق والتغيّر والحياة. وهذا التناقض ليس مجرد اختيار بصري، بل تجسيد مكاني للعلاقة بين الماء والأرض، وهي علاقة لطالما كانت مولّدة للفضاء في تاريخ العمارة الإيرانية.
بدأت عملية التصميم من المدخل الرئيسي والأسوار المحيطة، باعتبارها أول طبقة إدراكية للمشروع. وقد أعيد تعريف المدخل كعلامة حضرية تعزز وضوح الهوية البصرية للمجموعة. كما أن التكرار المنضبط للطلاء الفيروزي في الجدران والعناصر البارزة يعمل كموتيف متصل، يخلق إيقاعًا بصريًا يمتد عبر الموقع ويُبقي مفهوم المشروع حاضرًا بشكل هادئ ومستمر دون مبالغة.

على مستوى الموقع، تم تطوير التصميم مع احترام كامل للأشجار الموجودة وتعزيز الجودة البيئية للمحيط. وبدل فرض هندسة صلبة على البنية الطبيعية، تم السعي إلى تخصيص مساحات أكبر للغطاء النباتي، بحيث تمر مسارات المشاة كشرائط رفيعة بين المساحات الخضراء.
هذه المسارات الحركية الضيقة تخلق تجربة تدريجية وهادئة للمدخل والعبور والتوقف، تجربة تفصل المستخدم عن البيئة الحضرية وتدخله إلى فضاء إداري–طبيعي متوازن. ونتيجة لهذا النهج، ارتفعت نسبة المساحات الخضراء في المشروع بشكل ملحوظ، كما تحسّنت الجودة المناخية والبصرية للموقع.

في تصميم موقف سيارات الموظفين، تم اعتماد مظلات ذات هيكل معدني، تتناغم من حيث اللون والخامة مع باقي العناصر المعدنية في المشروع، بما يحافظ على وحدة اللغة التصميمية. هذه المظلات لا تُعد مجرد غطاء وظيفي، بل تُعامل كجزء من الإيقاع المكاني العام للموقع.
ولكسر الرتابة البصرية ضمن امتداد مواقف السيارات، تم إدراج أحواض زراعية عريضة كفواصل خضراء بين الصفوف؛ وهي عناصر لا تسهم فقط في تقليل الإحساس البصري بحجم الكتل المعدنية للسيارات، بل تساعد أيضًا على تحسين التهوية الطبيعية وتقليل اكتساب الحرارة السطحية.
كما تم تخصيص مساحات لمواقف المراجعين، إلى جانب اقتراحات لإنشاء مواقف للدراجات الهوائية، بما يعزز تبنّي أنماط النقل المستدام داخل المشروع.


أحد التحديات الرئيسية في المشروع كان البُعد الملحوظ بين المبنى الإداري وبوابة الدخول الرئيسية للموقع، مما أدى إلى ضعف في وضوح المدخل وانخفاض في مستوى الجاذبية البصرية له. ولمعالجة هذه الإشكالية، تم إعادة تنظيم المدخل الإداري عبر تغيير مدروس في مادة الأرضيات، مع خلق فضاء طبقي على هيئة ساحة تمهيدية.
تعمل هذه الساحة المدخلية على تشكيل تسلسل هرمي فراغي يخلق لحظة توقف قبل الدخول، ويوجه حركة المستخدم بشكل تدريجي ومقصود نحو المبنى. كما أن تغيير نسيج ولون الأرضية يعمل كـ«بساط حضري» يميز المدخل عن باقي أجزاء الموقع، مما يعزز وضوحه الوظيفي ويرفع من جودة الإدراك المكاني للفضاء.


بشكل عام، يُعدّ البديل الثاني محاولة لترجمة مفهوم الماء إلى لغة معاصرة، مستدامة وقابلة للتنفيذ؛ نهج يسعى إلى استحضار روح الماء داخل الكتلة المعمارية للمشروع دون الاعتماد على حضوره المادي المباشر.
تم تنظيم الفضاء على أساس تعزيز البنية الطبيعية وإعادة توزيع المساحات الخضراء. وبدلاً من فرض هندسة صلبة وجامدة، تم تعريف شبكة الحركة كمسارات رفيعة قابلة للاختراق تتخلل المساحات النباتية. هذه المسارات لا تُعد مجرد خطوط عبور، بل أدوات لإدراك تدريجي للفضاء؛ تجربة زمنية تجعل المستخدم يتحرك عبر طبقات طبيعية متعاقبة.
إن زيادة نسبة المساحات الخضراء في هذا البديل ليست مجرد قرار جمالي، بل هي خيار بيئي ومناخي يسهم في تحسين الأداء الحراري والمرئي للموقع.
